|
ملخص
تقول الدراسة ان القضايا والاشكاليات التي تطرحها العولمة علي عملية التنشئة الاجتماعية ودور الاسرة والمؤسسات الاجتماعية المختلفة لم تلق الاهتمام الكافي من البحث والدراسة، من هنا تبدو اهمية هذا البحث فمن الثابت ان العولمة تسهم في زيادة التباعد والتفاوت الاجتماعي الاقتصادي والتعليمي والمعرفي بين الناس، كما ان الاثار الاقتصادية المصاحبة للعولمة قد تدفع الحكومات في العالم الثالث الي خصخصة بعض مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالاعلام والتعليم او علي الاقل بعض المدارس والجامعات، وبالتالي تحجيم الرؤي التربوية، وفوق كل شئ حصر رؤية الاهداف التربوية، اذ تصبح الاهداف الانسانية والثقافية والاجتماعية للتعليم علي وجه الخصوص ثانوية بالنسبة للمعايير ذات الطابع الاقتصادي.
ومثل هذه التحولات اضافة الي انفجار ثورة الاعلام والمعلومات والتدفق الحر للاخبار والمعلومات والصور والرموز عبر الحدود، سيؤدي الي اضعاف بعض الادوار التي كانت تقوم بها الدولة والاسرة في عملية التنشئة الاجتماعية، من هنا تبدو اهمية الاهتمام ببحث ودراسة ابعاد ووسائل دعم وتطوير دور الاسرة في عملية التنشئة الاجتماعية في ظل العولمة.
وتناولت هذه الدراسة بالرصد والتحليل التحديات التي تطرحها العولمة علي دور الاسرة في عملية التنشئة الاجتماعية، ولعل المدخل العلمي approache الملائم لتناول هذا الموضوع يتطلب الوقوف علي المقصود بالعولمة، والفرص والتحديات التي تطرحها علي الاسرة العربية، وذلك من خلال التدفق الاعلامي وثورة المعلومات، ثقافة الاستهلاك ونشر القيم الفردية، وتهديد الهوية القومية، مخاطر الجريمة المنظمة، واخيرا تقدم الورقة مجموعة من المقترحات والتوصيات لتفعيل دور الاسرة العربية في عملية التنشئة الاجتماعية في عصر العولمة.
وقد قدمت الدراسة مجموعة من الافكار والمقترحات الخاصة بتفعيل دور الاسرة العربية في التنشئة الاجتماعية في عصر العولمة تتلخص في:
التاكيد علي ضرورة دعم واثراء التفاعل الاجتماعي بين افراد الاسرة من خلال تمضية اوقات الفراغ في تبادل القصص والحوارات والمناقشة الجماعية بعيدا عن استخدام أي وسيلة من وسائل الاعلام او الكمبيوتر داخل المنزل، وثمة تجارب مفيدة قامت بها بعض الاسر الامريكية تحت عنوان العيش بدون تليفزيون لعدة ساعات يكون الاطفال فيها متيقظين. كما ان بعض الاسر قد استغنت نهائيا عن التليفزيون.
وبغض النظر عن اهمية هذه التجارب الا انه من المهم ان نبحث في وسائل اثراء الحوار والتفاعل الاجتماعي داخل الاسرة، مع الحرص علي مشاركة كل افراد الاسرة خاصة الصغار في التعبير عن انفسهم. وتوجيه الحوارات والمناقشات باتجاه دعم التماسك والترابط الاسري والاعتزاز بالاسرة والمجتمع، والتأكيد علي القيم والعادات والتقاليد التي تميز الثقافة العربية الاسلامية وتمثل حائط صد قوي ضد ثقافة الاستهلاك والقيم الفردية.
ان مقتضيات التربية الحديثة والتحولات الديمقراطية في العالم تفضي الي الحرص علي خلق مناخ ديمقراطي داخل الاسرة، لكن هذا الحرص ينبغي الا يؤثر علي التضامن الاسري او يفجر الصدام بين الاختيارات الفردية وبين تماسك الاسرة او الالتزام بالقيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع.
كذلك فان المناخ الديمقراطي لا يعني الفوضي او ترك سلوك الاطفال والمراهقين بدون ضوابط او توجيهات، وعلي سبيل المثال لا تعني الديمقراطية السماح للطفل بمشاهدة التليفزيون او استخدام العاب الكمبيوتر او الانترنيت لعدد غير محدود من الايام والساعات او عدم تحديد اوقات للمذاكرة ، وكذلك أوقات لزيارة الأهل والأصدقاء .
ضرورة اشراك الاجداد والاخوة الصغار في عملية التنشئة الاجتماعية بحيث لا يتحمل الوالدان كل العبء، خاصة وان هذه المشاركة تؤكد علي تواصل الاجيال داخل الاسرة، وعلي ضرورة قيام الاولاد بواجبهم تجاه الكبار، كما ان هذه المشاركة قد تكون بديلا معقولا لانشغال الوالدين او عدم قدرتهم علي المساهمة الفعالة في عملية التوجيه التربوي للصغار.
اهمية ارشاد الاطفال والمراهقين لكيفية استخدام وسائل الاعلام والعاب الكمبيوتر والانترنيت فيما يتعلق بمعايير الاختيار بين وسائل الاعلام المختلفة، او بين قنوات التليفزيون وبين البرامج والمضامين الكثيرة التي تقدمها، في هذا السياق من المفيد تشجيع الاطفال علي مشاهدة انواع مختلفة من البرامج والدراما والافلام بحيث يتعرضون لبرامج ثقافية ودينية، ودراما وافلام تاريخية، ذلك ان مثل هذا التعدد والتنوع يعلم الاطفال بطريقة غير مباشرة ان التليفزيون والفيديو ليس مجرد وسيلة تسلية او اداة لتمضية وقت الفراغ، بل يمكن استخدامه في التعلم والحصول علي معلومات ثقافية.
دعوة الوالدين الي تبني عادات جديدة عند التعرض لوسائل الاعلام، خاصة مشاهدة التليفزيون والفيديو، مثل المشاهدة الجماعية لافراد الاسرة، وتحديد اوقات معينة لمشاهدة الصغار، واجراء مناقشات اثناء او بعد مشاهدة بعض البرامج والمضامين، لا سيما افلام العنف والجريمة والخيال العلمي بحيث يحرص الوالدان وكذلك الاخوة الكبار علي توعية الاطفال بالفروق بين الواقع والخيال، وان المبالغات في بعض المشاهدة تعتمد علي الحيل وبرامج الكمبيوتر. ومن ثم تساعد هذه المناقشات علي ادراك الاطفال للواقع الاجتماعي وتفسير وفهم كثير مما يقدم في وسائل الاعلام. وفي هذا الاطار يمكن القول بان ظاهرة وجود اكثر من جهاز التليفزيون داخل المنزل الواحد قد لا تكون مفيدة في تطوير ودعم التفاعل الاجتماعي واجراء مناقشات اثناء وبعد المشاهدة، لان وجود اكثر من تليفزيون يجعل كل فرد داخل الاسرة ينعزل عن الاخرين، ويدرك ويفسر ما يشاهده من وجهة نظره الخاصة واستنادا الي خبرته الذاتية. من هنا نقترح العودة الي سلوك المشاهدة القديم المتمثل في وجود مكان مخصص داخل المنزل يجتمع فيه كل افراد الاسرة لمشاهدة التليفزيون مع وجود ضوابط معينة في اختيار القنوات وتحديد اوقات المشاهدة.
احكام الرقابة والمتابعة الاسرية وباساليب تربوية لاستخدام الاطفال والمراهقين للهواتف المنزلية، مع الحرص علي عدم اتاحة ارقام بطاقات الائتمان الخاصة بالوالدين امام الصغار، فمن الملاحظ ان تكلفة المكالمات الدولية، والمكالمات المحمولة اصبحت سببا رئيسيا في تحميل الاسرة اعباء مالية كبيرة فضلا عن الحد من التفاعل الاسري، كما تلجأ شبكات الدعارة الدولية وشركات المسابقات والغناء والموسيقي الي اغواء الاطفال والمراهقين العرب لاجراء اتصالات دولية او محلية يتم خلالها تقديم ونشر افكار وقيم هدامة وعادات سيئة.
كذلك فان اغراءات الاتصال والتسوق عبر الانترنيت او الجنس التخيلي "الافتراضي" عبر الانترنيت يؤكد اهمية حرص الوالدين والاجداد علي عدم اتاحة ارقام بطاقات الائتمان للصغار والمراهقين بدون ضوابط، بل هناك ضرورة للحوار معهم حول فوائد ومخاطر التسوق عبر الانترنيت وتحذيرهم من جرائم الانترنيت والتي قد يتورطون فيها دون معرفة او قصد. فضلا عن مكاشفة الصغار حول الاهداف الحقيقية لمواقع الاثارة والجنس علي الانترنيت، وكيف ان التعامل معها يتعارض مع الدين وقواعد الاخلاق ولا يؤدي الي أي نفع للفرد او المجتمع، بل يحقق فقط ارباحاً طائلة للافراد والشركات التي تؤسس وتطلق هذه المواقع المدمرة.
دعوة المسئولين في الدول العربية لرعاية وتشجيع انتاج برامج والعاب عربية يستخدمها الاطفال والمراهقين في العاب الكمبيوتر عوضا عن مثيلاتها الاجنبية التي تحفل بالعنف والجريمة، بحيث تعتمد هذه البرامج والالعاب علي اللغة العربية وتقدم افكارا ومضامين تتفق والاسس الثابتة في الثقافة العربية، وتعلم النشء اعتمادا علي اساليب وطرق غير مباشرة - الاعتزاز بالذات الثقافية والانتماء للأمة.
دعوة المسئولين في وزارات الاعلام والثقافة العربية والمسئولين في الفضائيات العربية الخاصة للتعاون المشترك في انتاج وتبادل برامج اعلامية ثقافية وترفيهية، تقلل من اعتماد القنوات التليفزيونية العربية - الارضية والفضائية - علي استيراد المواد والبرامج الاعلامية والترفيهية الغربية، مع انتاج برامج واعمال درامية وافلام تعلي قيمة التماسك الاسري وتبرز الوسائل والاساليب التربوية التي يمكن ان تعتمد عليها الاسرة العربية في عملية التنشئة الاجتماعية. كما تعالج باساليب فنية غير مباشرة الغرض والمخاطر التي تفرضها العولمة علي الاسرة العربية .
التفكير والعمل من اجل تبني مشروعات اجتماعية جديدة تهدف الي دعم التكافل والتعاون بين الاسر، ومساعدتها علي التكيف مع المتغيرات العلمية والتكنولوجية والاجتماعية المصاحبة للعولمة والتي تؤثر بقوة في البيئة المحلية والدولية. ومن الممكن ان تأخذ هذه المشروعات صيغا جديدة تعتمد علي المبادرات الفردية ودعم المنظمات والجمعيات الاهلية والمساجد والكنائس وما يعرف بفاعليات المجتمع المدني، بالاضافة الي مساعدة الدولة.
والواقع ان هذه المشروعات تحتاج الي خيال وقدرات ابداعية، ورغبة حقيقية في العمل واصلاح وتطوير دور الاسرة في عملية التنشئة الاجتماعية، وقد طرحت في مصر علي سبيل المثال بعض هذه الافكار والمشروعات التي تقوم علي استلهام كل ما هو ايجابي من قيم الماضي، وتنمية روابط الصداقة بين الاسرة وتبادل الزيارات والخبرات، وخلق آليات ومناسبات يتفاعل فيها الابناء والاباء والامهات في مجموعة من الاسر، واعطاء معني لحياة ودور كبار السن في الاشراف علي الصغار وتوجيههم.
|